أنا وَوُجود.. ١

أكتب الآن من سرير المرافقة في المستشفى - إن صحّ أن يكون سريراً- بجوار جدي، وبالرغم من أن عقارب ساعتي تُشير للرابعة فجراً، إلا أن رغبتي في الكتابة تجاوزت هذه الغرفة المظلمة وما يملؤها من تعب وأحزان. تعاهدت أنا ووجود قبل قرابة الأسبوعين على أن لا نتحدث - أو نتحاكى كما تحب هي أن تقول - إلا في أيام نهاية الأسبوع، كي نستطيع التركيز على دراستنا، وهذا ما حصل فعلاً في الأسبوعين الماضيين. بداية الأسبوع الماضي، قررتُ أن أحذف هذا الترم، شعرت أنني لا أستطيع الإكمال، كنت أختنق كلما اقتربت من كرسيّ الدراسة والمكتب، وما كان يخنُقُني أكثر، هو الشوق. أتت عطلة الأسبوع، تحدثنا كثيراً وضحكنا كثيراً، وأخيراً.. حزنّا كثيراً كثيرًا. لم نكن نريد الافتراق، ولكن ما اربكني صِدقاً، هو طلبها في هذه المرة، أن نبقى أكثر قليلاً، لم تكن تطلب مني أشياء كهذه قبل الآن، فقد كانت ولا زالت تقول أننا أصدِقاء، مجرد أصدقاء. أما أنا ففي الحقيقة لا أعلم ما نحن، ولا أفكر كثيراً في الأمر. لا أنكر أنني أحمل مشاعراً تجاهها، ولكنني خائف، خائف عليها، أريد أن نستمر أصدقاءً لفترة أطول، كي تستطيع هي أن تأخذ الخطوة القادمة  ـ إذا أرادت- وهي مُطمئنة. ولكن المشكلة أنها مترددة وخائفة هي الأخرى، ليس فقط من تطور العلاقة بسرعة، ومن ثم صعوبة تدارك الأمر إذا حصل اختلاف بيننا مستقبلاً والعودة لنقطة البداية، ولكن حتى من بقائها (العلاقة) كما هي عليها الآن، لأنها تدرك أن هذا سيُفضي إلى طريق واحد فقط، وهو التعلق. هي تريد أن تتأكد قبل أن تتعلق، وفي نفس الوقت هي تخاف أن تتعلق قبل أن تتأكد، وهي أيضاً تتألم.. لأنها لا تريد لنا أن نفترق، تريد أن نبقى معاً، تحب أن نبقى معاً. هذا التضارب في الرغبات لديها، يمزقها، يجعلها حبيسةً ومأسورة، أنا حزين من أجلها، أتمنى أن نَستطيع فك القيد عن روحِها، كي تُحلِّق في السماء، فـ "كثيرٌ على الطير ألا يطير." قبل الآن بأربعة وعشرين ساعة، كان من المفترض أن العطلة قد انتهت، فتودعنا على مضض، لم نكن نريد الافتراق، ولكن "ما كل ما يتمنى المرء يُدرِكُهُ". كنت قد أخبرتها أنني أريد تعديل توقيت نومي، وأنني سأبقى مستيقظاً إلى المساء ثم أنام، ولكنني لم أستطع. أشغلت نفسي طيلة الصبح إلى العصر، فقضَيت بعض الأغراض لي، ثم ذهبت وزرت مدرستي القديمة، بعد ذلك عدت إلى البيت، قضيت الظهر أشاهد "اليوتيوب" إلى العصر، تغديت ثم نمت. أيقظتني أمي بعد أربع ساعات، وأخبرتني أنها تُريد أن تتحدث معي في موضوع مهم، فاستَيقظت، وقلت لها: "ما هو؟"  فأخبرتني أنها تعتقد أنني مصابٌ بالعين -لأنني حذفت هذا الترم- وأنها تريد أن تذهب بي لأحد القُرّاء وتعالجني. تجادلنا كثيراً ثم اتفقنا، لأنني أريد أن أنام ثانيةً، وتحقق لي مُرادي. بعد ساعتين، استيقظت، استعددت للذهاب للمستشفى كي أرافق جدي، ثم ركبت السيارة. مررت على أحد المطاعم، فأكلت، ثم أكملت طريقي للمقهى المفضل لدي، الذي يبعد نصف ساعة تقريباً عن كُلٍّ من المشفى والمطعم والمنزل. سمعت الأغاني في طريقي للمقهى ثم في طريقي عائداً منه وذاهباً للمشفى. في الواقع أن سماع الأغاني كان قد أخرجني من الشعور بالحزن والكسل، وأضاف لي بعض الحماسة والفرح. بينما كنت أسمع الأغاني، تذكرت أن وجود كانت قد طلبت مني أن أكتب، تريد أن تقرأ لي شيئاً، فخطرت في بالي فكرة فتح مدونة خاصة بي، وإن كان في الأغلب لن يقرأ لي سواها، ولكن هذا يكفيني، فلم أكن لأفكر بهذه الفكرة أساساً لولا أنها طلبت مني ذلك. عندما وصلت للمشفى واستلقيت على هذا السرير البائس، بدأت بالتحضير للكتابة، ولكنني تفاجأت برسالة من وجود. تحدثنا قليلاً، ثم اخبرتها مُمَازِحاً أنها افسدت عليّ مشروعاً ما -وهو كتابة هذه التدوينة- ف غضبت مني وقالت لي: "راح انام انا، تقدر تكمل.." لم أتوقع ردَّ فِعلها هذا، كانت جادّةً فيما تقول، حاولت أن أشرح لها أنني كنت أمزح فقط، وأنني كنت أُريد إخبارها بطريقةٍ غير مباشرة، أنني على استعداد لإفساد جميع مشاريعي من أجلها، من أجل لحظات معها.. ولكن بلا طائل. حزنتُ كثيراً، وخُفتُ كثيراً، خفت أن تذهب وهي حزينة، وبعد محاولات أستطعت إقناعها، وسامحتني. تحدثنا قليلاً، ثم ذَهبتْ كي تنام. أخبرتها أن مشروعي المزعوم، كان يخصها، ولم أخبرها ما هو، سأُطلعها عليه في نهاية الأسبوع. سآتي غداً أيضاً لمرافقة جدي، وسنفتقد وجودَ وجود، فلم تكن ترافقني وحدي في أغلب أيام وجودي هنا، بل كانت ترافقنا جميعاً في هذه الغرفة، قلبها لا يستطيع استثناء أحدٍ في هذا الوجود. 

تعليقات